Al-Baqara • AR-TAFSEER-AL-QURTUBI
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴾
“Now those people have passed away; unto them shall be accounted what they have earned, and unto you, what you have earned; and you will not be, judged on the strength of what they did.”
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ "تِلْكَ" مبتدأ، و "أُمَّةٌ" خَبَرٌ، "قَدْ خَلَتْ" نَعْتٌ لِأُمَّةٍ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَتْ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ، وَتَكُونُ "أُمَّةٌ" بَدَلًا مِنْ "تِلْكَ". "لَها مَا كَسَبَتْ" "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ بِالصِّفَةِ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ. "وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ" مِثْلُهُ، يُرِيدُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُضَافُ إِلَيْهِ أَعْمَالٌ وَأَكْسَابٌ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَبِفَضْلِهِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَبِعَدْلِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْآيُ فِي الْقُرْآنِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. فَالْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ لِأَفْعَالِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خُلِقَتْ لَهُ قُدْرَةً مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، يُدْرِكُ بِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ حَرَكَةِ الِاخْتِيَارِ وَحَرَكَةِ الرَّعْشَةِ مَثَلًا، وذلك التمكن هو مناط التكليف. وقالت الْجَبْرِيَّةُ بِنَفْيِ اكْتِسَابِ الْعَبْدِ، وَإِنَّهُ كَالنَّبَاتِ الَّذِي تَصْرِفُهُ الرِّيَاحُ. وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ خِلَافَ هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ أَحَدٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى " أَيْ لَا تَحْمِلُ حَامِلَةٌ ثقل أخرى، وسيأتي [[راجع ج ٧ ص ١٥٧.]].