WhatsApp Book A Free Trial
القائمة

🕋 تفسير الآية 89 من سورة سُورَةُ الأَنبِيَاءِ

Al-Anbiyaa • AR-TAFSEER-AL-QURTUBI

﴿ وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ ﴾

“AND [thus did We deliver] Zachariah when he cried out unto his Sustainer: “O my Sustainer! Leave me not childless! But [even if Thou grant me no bodily heir, I know that] Thou wilt remain when all else has ceased to be!””

📝 التفسير:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أَيْ وَاذْكُرْ زَكَرِيَّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٧٤ فما بعد.]] ذِكْرُهُ. (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً) أَيْ مُنْفَرِدًا لَا وَلَدَ لِي وَقَدْ تَقَدَّمَ. (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) أَيْ خَيْرُ مَنْ يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ مَنْ يَمُوتُ، وَإِنَّمَا قَالَ "وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ" لما تقدم من قوله: ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] أَيْ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تُضَيِّعُ دِينَكَ وَلَكِنْ لَا تَقْطَعْ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي هِيَ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الدِّينِ عَنْ عَقِبِي. كَمَا تَقَدَّمَ فِي "مريم" [[راجع ص ٨١ من هذا الجزء.]] بيانه. قوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) أي أجبنا دعاءه: (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى). تقدم ذكره مستوفى: (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) قَالَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا فَجُعِلَتْ وَلُودًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: كَانَتْ سَيِّئَةَ الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله تعالى فَجَعَلَهَا حَسَنَةَ الْخُلُقِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَمَعَتِ الْمَعْنَيَيْنِ فَجُعِلَتْ حَسَنَةَ الْخُلُقِ وَلُودًا. "إِنَّهُمْ" يعني الأنبياء المسمين في هذه السورة. (كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ). وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى زَكَرِيَّا وَامْرَأَتِهِ وَيَحْيَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً﴾ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْنَا فَيَدْعُونَنَا فِي حَالِ الرَّخَاءِ وَحَالِ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَدْعُونَ وَقْتَ تَعَبُّدِهِمْ وَهُمْ بِحَالِ رَغْبَةٍ وَرَجَاءٍ وَرَهْبَةٍ وَخَوْفٍ، لِأَنَّ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ مُتَلَازِمَانِ. وَقِيلَ: الرَّغَبُ رَفْعُ بُطُونِ الْأَكُفِّ إِلَى السَّمَاءِ، وَالرَّهَبُ رَفْعُ ظُهُورِهَا، قَالَهُ خُصَيْفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَتَلْخِيصُ هَذَا أَنَّ عَادَةَ كُلِّ دَاعٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِيَدَيْهِ فَالرَّغَبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَلَبٌ يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يُوَجِّهَ بَاطِنَ الرَّاحِ نَحْوَ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، إِذْ هُوَ مَوْضِعُ إِعْطَاءٍ أَوْ بِهَا يُتَمَلَّكُ، وَالرَّهَبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَفْعُ مَضَرَّةٍ يَحْسُنُ مَعَهُ طَرْحُ ذَلِكَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى ذَهَابِهِ وَتَوَقِّيهِ بِنَفْضِ الْيَدِ وَنَحْوِهِ. الثَّانِيَةُ- رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدعاء لم يحطهما حتى يسمح بهما وجهه وقد مضى في "الأعراف" [[راجع ج ٧ ص ٢٢٤ فما بعد.]] الِاخْتِلَافُ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي، وَذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَغَيْرَهُ هُنَاكَ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِالرَّفْعِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صِفَتِهِ وَإِلَى أَيْنَ؟ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَخْتَارُ أَنْ يَبْسُطَ كَفَّيْهِ رَافِعَهُمَا حَذْوَ صَدْرِهِ وَبُطُونُهُمَا إِلَى وَجْهِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ عَلِيٌّ يَدْعُو بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ، وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ. وَقَوْلُهُ ﷺ: (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا وَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ بِرَفْعِهِمَا إِلَى وَجْهِهِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ فَجَعَلَ يَدْعُو وَجَعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْهِ مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ، وَرَفَعَهُمَا فَوْقَ ثَدْيَيْهِ وَأَسْفَلَ مِنْ مَنْكِبَيْهِ. وَقِيلَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَظُهُورُهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الدُّعَاءِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا أَشَارَ أَحَدُكُمْ بِإِصْبَعٍ وَاحِدٍ فَهُوَ الْإِخْلَاصُ وَإِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ صَدْرِهِ فَهُوَ [[في ك: ألة الدعاء. لعله الأصل.]] الدُّعَاءُ، وَإِذَا رَفَعَهُمَا حَتَّى يُجَاوِزَ بِهِمَا رَأْسَهُ وَظَاهِرُهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ فَهُوَ الِابْتِهَالُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو بِظَهْرِ كَفَّيْهِ وَبَاطِنِهِمَا. وَ "رَغَباً وَرَهَباً" مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ يَرْغَبُونَ رَغَبًا وَيَرْهَبُونَ رَهَبًا. أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ لِلرَّغَبِ وَالرَّهَبِ. أَوْ عَلَى الْحَالِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَيَدْعُونَا" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَالْهَاءِ مثل السقم والبخل، والعدم والضرب لُغَتَانِ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ أَيْضًا "رَغَبًا وَرَهَبًا" بِالْفَتْحِ فِي الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ فِي الْغَيْنِ وَالْهَاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ: نَهْرٍ وَنَهَرٍ وَصَخْرٍ وَصَخَرٍ. وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو. (وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) أي متواضعين خاضعين.