As-Sajda • AR-TAFSEER-AL-QURTUBI
﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ ﴾
“Is, then, he who [in his earthly life] was a believer to be compared with one who was iniquitous? [Nay,] these two are not equal!”
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ) أَيْ لَيْسَ الْمُؤْمِنُ كَالْفَاسِقِ، فَلِهَذَا آتَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْوَلِيدِ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا تَلَاحَيَا [[الملاحاة: المقاولة والمخاصمة.]] فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: أَنَا أَبْسَطُ مِنْكَ لِسَانًا وَأَحَدُّ سِنَانًا وارد للكتيبة- وروي وأملى فِي الْكَتِيبَةِ- جَسَدًا. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْكُتْ! فَإِنَّكَ فَاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ وَالنَّحَّاسُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأَنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا قُتِلَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرَفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ. وَيُعْتَرَضُ الْقَوْلُ الْآخَرُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْفِسْقِ عَلَى الْوَلِيدِ. وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي صَدْرِ إِسْلَامِ الْوَلِيدِ لِشَيْءٍ كَانَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ لِمَا رُوِيَ مِنْ نَقْلِهِ عَنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مَا لَمْ يَكُنْ، حَتَّى نَزَلَتْ فيه: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾[[راجع ج ١٦ ص ٣١١.]] [الحجرات: ٦] عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحُجُرَاتِ بَيَانُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُطْلِقَ الشَّرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى طَرَفٍ مِمَّا يَبْغِي. وَهُوَ الَّذِي شَرِبَ الخمر في زمن عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَلَّى الصُّبْحَ بِالنَّاسِ ثُمَّ الْتَفَتَ وَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ أَزِيدَكُمْ، وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ. الثَّانِيَةُ- لَمَّا قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْفَاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهُمْ بِالْكُفْرِ- لِأَنَّ التَّكْذِيبَ فِي آخِرِ الْآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ- اقْتَضَى ذَلِكَ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَلِهَذَا مُنِعَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، إِذْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ. وَبِذَلِكَ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَتْلِهِ المسلم بالذمي. وقال: أراد نفي المساواة ها هنا فِي الْآخِرَةِ فِي الثَّوَابِ وَفِي الدُّنْيَا فِي الْعَدَالَةِ. وَنَحْنُ حَمَلْنَاهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ، إِذْ لَا دَلِيلَ يَخُصُّهُ، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ: "مَنْ" يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ. النَّحَّاسُ: لَفْظُ "مَنْ" يُؤَدِّي عَنِ الْجَمَاعَةِ، فَلِهَذَا قَالَ: "لَا يَسْتَوُونَ"، هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "لَا يَسْتَوُونَ" لِاثْنَيْنِ، لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ جُمِعَ مَعَ آخَرَ. وَقَالَهُ الزَّجَّاجُ أَيْضًا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَغَيْرِهِ قَالَ: نَزَلَتْ "أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً" فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، "كَمَنْ كانَ فاسِقاً" فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَلَيْسَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا سَوَاءً ... إِذَا مَاتُوا وَصَارُوا في القبور