Al-An'aam • AR-TAFSEER-AL-QURTUBI
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾
“And it is in this way that We cause the great ones in every land to become its [greatest] evildoers, there to weave their schemes: yet it is only against themselves that they scheme -and they perceive it not.”
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ الْمَعْنَى: وَكَمَا زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قرية. "مُجْرِمِيها" مفعول أول لجعل "أَكابِرَ" مفعول ثاني عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَجَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ. وَالْأَكَابِرُ جَمْعُ الْأَكْبَرِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يُرِيدُ الْعُظَمَاءَ» . وَقِيلَ: الرُّؤَسَاءُ وَالْعُظَمَاءُ. وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَقْدَرُ عَلَى الفساد. والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، أصله الْفَتْلُ، فَالْمَاكِرُ يَفْتِلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ أَيْ يَصْرِفُ عَنْهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُجْلِسُونَ عَلَى كُلِّ عَقَبَةٍ أَرْبَعَةً يُنَفِّرُونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فَعَلَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِأَنْبِيَائِهِمْ. (وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ) أَيْ وَبَالُ مَكْرِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ. وَهُوَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْجَزَاءُ عَلَى مَكْرِ الْمَاكِرِينَ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ. (وَما يَشْعُرُونَ) فِي الْحَالِ، لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ أَنَّ وَبَالَ مَكْرِهِمْ عَائِدٌ إليهم.