WhatsApp Book A Free Trial
القائمة

🕋 تفسير الآية 56 من سورة سُورَةُ يُوسُفَ

Yusuf • AR-TAFSIR-AL-BAGHAWI

﴿ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾

“And thus We established Joseph securely in the land [of Egypt]: he had full mastery over it, [doing] whatever he willed. [Thus do] We cause Our grace to alight upon whomever We will; and We do not fail to requite the doers of good.”

📝 التفسير:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: أَرْضَ مِصْرَ مَلَّكْنَاهُ [[في "أ": مكناه.]] ، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أَيْ: يَنْزِلُ ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا يَشَاءُ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: " نَشَاءُ " بِالنُّونِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنَّا﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ . ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ أَيْ: بِنِعْمَتِنَا، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: يَعْنِي الصَّابِرِينَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: فَلَمْ يَزَلْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو الْمَلِكَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَتَلَطَّفُ لَهُ حَتَّى أَسْلَمَ الْمَلِكُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. فَهَذَا فِي الدُّنْيَا. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ ثَوَابُ الْآخِرَةِ، ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . فَلَمَّا اطْمَأَنَّ يُوسُفُ فِي مُلْكِهِ دَبَّرَ فِي جَمْعِ الطَّعَامِ بِأَحْسَنِ التَّدْبِيرِ، وَبَنَى الْحُصُونَ وَالْبُيُوتَ الْكَثِيرَةَ، وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ لِلسِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ، وَأَنْفَقَ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى خَلَتِ السِّنُونَ الْمُخْصِبَةُ وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ بِهَوْلٍ لَمْ يَعْهَدِ النَّاسُ بِمِثْلِهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَبَّرَ فِي طَعَامِ الْمَلِكِ وَحَاشِيَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً نِصْفَ النَّهَارِ [[حكى الثعلبي أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار. قال: فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك. انظر: البداية والنهاية ١ / ٢١٩.]] ، فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ الْقَحْطِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَهُ الْجُوعُ هُوَ الْمَلِكُ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ فَنَادَى يَا يُوسُفُ الْجُوعَ الْجُوعَ!. فَقَالَ يُوسُفُ: هَذَا أَوَانُ الْقَحْطِ. فَفِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْجَدْبِ هَلَكَ كُلُّ شَيْءٍ أَعَدُّوهُ فِي السِّنِينَ الْمُخْصِبَةِ، فَجَعَلَ أَهْلُ مِصْرَ يَبْتَاعُونَ مِنْ يُوسُفَ الطَّعَامَ، فَبَاعَهُمْ أَوَّلَ سَنَةٍ بِالنُّقُودِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِلَّا قَبَضَهُ، وَبَاعَهُمُ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ بِالْحُلِيِّ وَالْجَوَاهِرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَبَاعَهُمُ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ بِالْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ حَتَّى احْتَوَى عَلَيْهَا أَجْمَعَ، وَبَاعَهُمْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ بِالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي يَدِ أَحَدٍ عَبْدٌ وَلَا أَمَةٌ، وَبَاعَهُمُ السَّنَةَ الْخَامِسَةَ بِالضَّيَاعِ وَالْعَقَارِ وَالدَّوْرِ حَتَّى احْتَوَى عَلَيْهَا، وَبَاعَهُمُ السَّنَةَ السَّادِسَةَ بِأَوْلَادِهِمْ حَتَّى اسْتَرَقَّهُمْ، وَبَاعَهُمُ السَّنَةَ السَّابِعَةَ بِرِقَابِهِمْ [حَتَّى اسْتَرَقَّهُمْ] [[ساقط من "ب".]] ، وَلَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ حُرٌّ وَلَا حُرَّةٌ إِلَّا صَارَ عَبْدًا لَهُ. فَقَالَ النَّاسُ: مَا رَأَيْنَا يَوْمًا كَالْيَوْمِ مَلِكًا أَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأَيْتَ صُنْعَ رَبِّي فِيمَا خَوَّلَنِي فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: الرَّأْيُ رَأْيُكُ وَنَحْنُ لَكَ تَبَعٌ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُكَ أَنِّي أَعْتَقْتُ أَهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أَمْلَاكَهُمْ [[قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (٢ / ٤٨٤) : "وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال ... ، الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب".]] . وَرُوِيَ أَنَّ يُوسُفَ كَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَجُوعُ وَبِيَدِكَ خَزَائِنُ الْأَرْضِ؟. فَقَالَ: أَخَافُ إِنْ شَبِعْتُ أَنْ أَنْسَى الْجَائِعَ، وَأَمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَبَّاخِي الْمَلِكِ أَنْ يَجْعَلُوا غَدَاءَهُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَذُوقَ الْمَلِكُ طَعْمَ الْجُوعِ فَلَا يَنْسَى الْجَائِعِينَ، فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ الْمُلُوكُ غِذَاءَهُمْ نِصْفَ النَّهَارِ. قَالَ: وَقَصَدَ النَّاسُ مِصْرَ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ فَجَعَلَ يُوسُفُ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْهُمْ -وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا-مِنْ أَكْثَرَ مِنْ حِمْلِ بِعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النَّاسِ، وَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَصَابَ أَرْضَ كَنْعَانَ وَبِلَادَ الشَّامِ مَا أَصَابَ النَّاسُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ مِنَ الْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ، وَنَزَلَ بِيَعْقُوبَ مَا نَزَلْ بِالنَّاسِ، فَأَرْسَلَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ، وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ أَخَا يُوسُفَ لِأُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: