At-Tawba • AR-TAFSIR-AL-BAGHAWI
﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾
“Are they, then, not aware that they are being tested year-in, year-out? And yet, they do not repent and do not bethink themselves [of God];”
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ يَقِينًا. كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ هَذَا اسْتِهْزَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يَقِينًا وَتَصْدِيقًا، ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ وَنِفَاقٌ، ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أَيْ: كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَعِنْدَ نُزُولِ كُلِّ سُورَةٍ يُنْكِرُونَهَا يَزْدَادُ كُفْرُهُمْ بِهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ: يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ بِيَدِ الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: تَعَالَوْا حَتَّى نَزْدَادَ إِيمَانًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ الْإِيمَانَ يَبْدُو لَمْظَةً [[في النهاية لابن الأثير: يبدأ لمظة. واللمظة: -بالضم-: مثل النكتة، من البياض.]] بَيْضَاءَ فِي الْقَلْبِ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ عِظَمًا ازْدَادَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَلْبُ كُلُّهُ، وَإِنَّ النِّفَاقَ يَبْدُو لَمْظَةً سَوْدَاءَ فِي الْقَلْبِ فَكُلَّمَا ازْدَادَ النِّفَاقُ ازْدَادَ ذَلِكَ السَّوَادُ حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ كُلُّهُ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ شَقَقْتُمْ عَنْ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ لَوَجَدْتُمُوهُ أَبْيَضَ وَلَوْ شَقَقْتُمْ عَنْ قَلْبٍ مُنَافِقٍ لَوَجَدْتُمُوهُ أَسْوَدَ [[أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: ٣ / ٤٦٠، وابن المبارك في الزهد، وخشيش في الاستقامة، والبيهقي، واللالكائي في السنة، والأصبهاني في المحجة. انظر: كنز العمال: ١ / ٤٠٦-٤٠٧.]] . قَوْلُهُ: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ: "تَرَوْنَ" بِالتَّاءِ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، خَبَرٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ الْمَذْكُورِينَ. ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلُونَ ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بِالْأَمْرَاضِ وَالشَّدَائِدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْغَزْوِ وَالْجِهَادِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يُفْضَحُونَ بِإِظْهَارِ نِفَاقِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يُنَافِقُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يُنَافِقُونَ. وَقَالَ يَمَانُ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ مِنَ النِّفَاقِ، ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَتَّعِظُونَ بِمَا يَرَوْنَ مِنْ تَصْدِيقِ وَعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ.