Al-Fath • AR-TAFSIR-AL-WASIT
﴿ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا ۚ بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۢا ﴾
“Those of the bedouin who stayed behind will say unto thee: “[The need to take care of] our chattels and our families kept us busy: do then, [O Prophet,] ask God to forgive us!” [Thus,] they will utter with their tongues something that is not in their hearts. Say: “Who, then, has it in his power to avert from you aught that God may have willed, whether it be His will to harm you or to confer a benefit on you? Nay, but God is fully aware of what you do!”
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين ، الذين لم يخرجوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم إلى صلح الحديبية ، فتحكى أعذارهم الزائفة ، وتفضحهم على رءوس الأشهاد ، وترد على أقوالهم الباطلة ، وتأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالإِعراض عنهم ، وإهمال أمرهم ، فهم قوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله . .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : لما بين - سبحانه - حال المنافقين ، ذكر المتخلفين - بعد ذلك - فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ، لظنهم أنه يهزم ، فإنهم قالوا : أهل مكة قاتلوه على باب المدينة . . واعتذروا عن الخروج معه - صلى الله عليه وسلم - .والمخلفون : جمع مُخلَّف ، وهو المتروك فى مكان خلف الخارجين من البلد كالنساء والصبيان ، فإنهم فى العادة لا يخرجون مع الرجال للجهاد ، وعبر عنهم بالمخلفين على سبيل الذم لهم .والأعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده أعرابى ، والأثنى أعرابية ، والمقصود بهم هنا سكان البادية من قبائل غِفَار ، ومُزَينة ، وجُهَينة ، وأشجع ، وأسلم ، والدِّيل ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد دعاهم إلى الخروج معه إلى مكة ، ليساعدوه على إقناع قريش شفى الإِذن بدخول مكة للطواف بالبيت الحرام . . ولكنهم اعتذروا .وقوله - سبحانه - سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا . . إعلام من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بما سيقوله هؤلاء المتخلفون له ، بعد عودته إليهم من صلح الحديبية .أى : سيقول المخلفون لك - أيها الرسول الكريم - : إننا ما تخلفنا عنك باختيارنا ، ولكن انشغالنا بحفظ ورعاية أموالنا ونسائنا وأولادنا الصغار ، حال بيننا وبين الخروج معك إلى الحديبية ، وما دام الأمر كذلك ( فاستغفر لَنَا ) الله - تعالى - لكى يغفر لنا ذنوبنا التى وقعنا فيها بسبب هذا التخلف الذى لم يكن عن تكاسل أو معصية لك .ولما كان قولهم هذا لم يكن صحيحا ، فقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله : ( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) . أى : هو ليسوا صادقين فيما يقولون ، والحق أنهم يقولون قولا من أطراف ألسنتهم ، دون أن تؤيده قلوبهم ، فإن السبب الحقيقى لعدم خروجهم معك ، هو ضعف إيمانهم ، ومرض قلوبهم ، وتذبذب نفوسهم .فالجملة الكريمة تكذيب لهم فيما قالوه ، وفضيحة لهم على رءوس الأشهاد .ثم أمر الله - تعالى - أن يجابههم بقوله : ( قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ) . والاستفهام للإِنكار والنفى .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المتخلفين من الأعراب لا أحد يستطيع أن يمنع عنكم قضاء الله - تعالى - ، إن أراد بكم ما يضركم من قتل أو هزيمة ، أو إن أراد بكم ما ينفعكم ، من نصر أو غنيمة؛ لأن قضاء الله - تعالى - لا دافع له ، كما قال - سبحانه - : ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ )ثم أضرب - سبحانه - عن ذلك وقال : ( بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) أى : إن تخلفكم ليس سببه ما زعمتم ، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف إيمانكم ، والله - تعالى - مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما ، وسيجازيكم بما تستحقون .