WhatsApp Book A Free Trial
القائمة

🕋 تفسير سورة المعارج

(Al-Maarij) • المصدر: AR-TAFSIR-AL-WASIT

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ

📘 قوله - تعالى - ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) قرأه الجمهور بإظهار الهمزة فى ( سَأَلَ ) .وقرأه نافع وابن عامر ( سال ) بتخفيف الهمزة .قال الجمل : قرأ نافع وابن عامر بألف محضة ، والباقون ، بهمزة خففت بقلبها ألفا . والثانى : أنها من سَاَلَ يَسَالُ ، مثل خاف يخاف ، والألف منقلبة عن واو ، والواو منقلبة عن الهمزة .والثالث : من السيلان ، والمعنى : سال واد فى جهنم بعذاب . فالألف منقلبة عن ياء .وقد حكى القرآن الكريم عن كفار مكة ، أنهم كانوا يسألون النبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء عن موعد العذاب الذى يتوعدهم به إذا ما استمروا على كفرهم ، ويستعجلون وقوعه .قال - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وقال - سبحانه - ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ ) وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته ، وأن المقصود به الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين .ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا . أى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع .قال الآلوسى ما ملخصه : ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) أى : دعا داع به ، فسؤال بمعنى الدعاء ، ولذا عدى بالباء تعديته بها فى قوله ( يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ) والمراد استدعاء العذاب وطلبه . . وقيل إنها بمعنى " عن " كما فى قوله : ( فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ) والسائل هو النضر بن الحارث - كما روى النسائى وجماعة وصححه الحاكم - حيث قال إنكارا واستهزاء ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقيل السائل : أو جهل ، حيث قال : " فأسقط علينا كسفا من السماء " .وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب ، يتضمن معنى الإِنكار والتهكم ، كما يتضمن معنى الاستعجال ، كما حكته بعض الآيات الكريمة . .ومن بلاغة القرآن ، تعدية هذا الفعل هنا بالباء ، ليصلح لمعنى الاستفهام الإِنكارى ، ولمعنى الدعاء والاستعجال .أى : سأل سائل النبى صلى الله عليه وسلم سؤال تهكم ، عن العذاب الذى توعد به الكافرين إذا ما استمروا على كفرهم . وتعجَّلَه فى وقوعه بل أضاف إلى ذلك - لتجاوزه الحد فى عناده وطغيانه - أن قال : ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقال - سبحانه - ( بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ولم يقل بعذاب سيقع ، للإِشارة إلى تحقق وقوع هذا العذاب فى الدنيا والآخرة .أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل فى غزوة بدر وهو النضر بن الحارث ، وأبو جهل وغيرهما ، وأما فى الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى .

وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ

📘 وضمير الجمع فى قوله - سبحانه - ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) يعود إلى الحميمين ، نظرا لعمومهما ، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين ، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه .والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إجابة عن سؤال تقديره : ولماذا لا يسأل الصديق صديقه فى هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه؟ فكان الجواب : لا ، إنه يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب قريبه ، وكل صديق صديقه فى هذا اليوم . . ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه .قال صاحب الكشاف : ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) أى : يبصر الأحماءُ الأحماءَ ، فلا يخفون عليهم ، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما يمنعهم التشاغل .فإن قلت : ما موقع يبصرونهم؟ قلت : هو كلام مستأنف ، كأنه لمّا قال : ( وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) قيل : لعله لا يبصره ، فقيل فى الجواب : يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم .فإن قلت : لم جمع الضميرين فى ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) وهى للحميمين؟ قلت : المعنى على العموم لكل حميمين ، لا لحميمين اثنين .ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين فى هذا اليوم فقال : ( يَوَدُّ المجرم ) أى : يحب المجرم فى هذا اليوم ويتمنى .( لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ) أى : يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه ، وألصقهم بنفسه . . وهم بنوه وأولاده .

وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ

📘 ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه ب ( وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ) أى : بزوجته التى هى أحب الناس إليه ، وبأخيه الذى يستعين به فى النوائب .

وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ

📘 ( وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ ) أى : ويود كذلك أن ينقذ نفسه ، من العذاب بأقرب الأقرباء إليه . وهم أهله وعشيرته التى ينتسب إليها ، إذا الفصيلة هم الأقرباء الأدنون من القبيلة ، والذين هو واحد منهم .ومعنى ( تُؤْوِيهِ ) تضمه إليها ، وتعتبره فردا منها ، وتدافع عنه بكل وسيلة .

وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ

📘 وقوله : ( وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ ) داخل فى إطار ما يتمناه ويوده .أى : يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم ، بأولاده ، ويصاحبته ، وبأخيه ، وبعشيرته التى هو فرد منها ، وبأهل الأرض جميعا من الجن والإِنس .ثم يتمنى - أيضا - أن يقبل منه هذا الافتداء ، لكى ينجو بنفسه من هذا العذاب .فقوله ( ثُمَّ يُنجِيهِ ) معطوف على قوله ( يَفْتَدِي ) أى : يود لو يفتدى ثم لو ينجيه الافتداء . وكان العطف بثم ، للإِشعار باستبعاد هذا الافتداء ، وأنه عسير المنال .وقوله : ( وَمَن فِي الأرض ) معطوف على ( بنيه ) أى : ويفتدى نفسه بجميع أهل الأرض .وهكذا نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر ، حالة المجرم فى هذا اليوم ، وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب ، بأقرب وأحب الناس إليه ، بل بأهل الأرض جميعا . . ولكن هيهات أن يقبل منه شئ من ذلك .

كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ

📘 ولذا جاء الرد الزاجر له عما تمناه فى قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهَا لظى ) وكلا حرف ردع وزجر ، وإبطال لكلام سابق ، وهو هنا ما كان يتمناه ويحبه . . من أن يفتدى نفسه ببنيه ، وبصاحبته وأخيه . . إلخ .و " لظى " علم لجهنم ، أو لطبقة من طبقاتهم ، واللظى : اللهب الخالص ، والضمير للنار المدلول عنها بذكر العذاب .أى : كلا - أيها المجرم - ليس الأمر كما وددت وتمنيت . . وإنما الذى فى انتظارك ، هو النار التى هو أشد ما تكون اشتغالا .

نَزَّاعَةً لِلشَّوَىٰ

📘 والتى من صفاتها كونها ( نَزَّاعَةً للشوى ) أى : قلاعة لجلدة الرأس وأطراف البدن ، كاليد والرجل ، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف كما كانت .فقوله : ( نَزَّاعَةً ) صيغة المبالغة من النزع بمعنى القلع والفصل . والشوى : جمع شواة - بفتح الشين - ، وهى من جوارح الإِنسان ما لم يكن مقتلا ، مثل اليد والرجل . والجمع باعتبار ما لكل أحد من جوارح وأطراف . يقال : فلان رمى فأشوى ، إذا لم يصب مقتلا ممن رماه .وقيل : الشواة : جلدة الرأس . والجمع باعتبار كثرة الناس .

تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ

📘 وهذه النار الملتهبة من صفاتها - أيضا - أنها ( تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى ) أى : تدعو لدخولها والاصطلاء بحرها ، من أدبر وأعرض وتولى عن الحق والرشد ، ونآى بجانبه عن طريق الهدى والاستقامة .قال ابن كثير : هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله - تعالى - لها وقدر لهم أهم فى الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طَلْقِ ذَلْقٍ - أى : فصيح بليغ - ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر ، كما يلتقط الطير الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال - سبحانه - ممن أدبر وتولى . أى : ممن كذب بقلبه ، وترك العمل بجوارحه .

وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ

📘 ( وَجَمَعَ فأوعى ) أى جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أى : فأمسكه فى وعائه وكنزه ومنع حق الله - تعالى - فيه ، وبخل به على مستحقيه . فقوله ( فأوعى ) أى : فجعله فى وعاء . وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " لا توعى - أى لا تجمع مالك فى الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى الله عليك - أى : فيمنع الله - تعالى - فضله عنك ، كما منعت وقترت .وفى قوله - سبحانه - ( وَجَمَعَ ) إشارة إلى الحرص والطمع ، وفى قوله ( فأوعى ) إشارة إلى بخله وطول أمله .قال قتادة ( وَجَمَعَ فأوعى ) : كان جموعا للخبيث من المال .

۞ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا

📘 وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم الدين ، وعن سوء عاقبة المكذبين . . اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن سجايا النفوس البشرية فى حالتى الخير والشر ، والغنى والفقر ، والشكر والجحود . . واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى - .( إِنَّ الإنسان خُلِقَ . . . ) .المراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ) جنسه لافرد معين منه ، كما فى قوله - تعالى - : ( والعصر . إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ . إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . ) وكما فى قوله - سبحانه - : ( خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ) ويدخل فيه الكافر دخولا أولياً ، لأن معظم الصفات التى استثنيت بعد ذلك من صفات المؤمنين الصادقين ، وعلى رأسها قوله - سبحانه - : ( إِلاَّ المصلين ) .وقوله : ( هَلُوعاً ) صيغة مبالغة من الهلع ، وهو إفراط النفس ، وخروجها عن التوسط والاعتدال ، عندما ينزل بها ما يضرها ، أو عند ما تنال ما يسرها .والمراد بالشر : ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به الإِنسان .والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه الإِنسان ، وتميل إليه نفسه .والجزوع : هو الكثير الجزع . أى : الخوف . والمنوع : هو الكثير المنع لنعم الله - تعالى - وعدم إعطاء شئ منها للمتحاجين إليها .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً ) الهلع : سرعة الجزع عند مس المكروه ، وسرعة المنع عند مس الخير ، من قولهم : ناقة هلوع ، أى : سريعة السير .

لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ

📘 ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال : ( لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ .مِّنَ الله ذِي المعارج ) واللام فى قوله ( لِّلْكَافِرِينَ ) بمعنى على . أو للتعليل .أى : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم .

إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا

📘 وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال : هو كما قال الله - تعالى - : ( إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ) .ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - .والإِنسان : المراد به الجنس ، أو الكافر . . وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا .والتعبير بقوله : ( خُلِقَ هَلُوعاً ) يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله - مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل . . وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين .وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء .وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " شر ما فى الرجل : شح هالع ، وجبن خالع " . وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته صبر فكان خيرا له " .قال الجمل : وقوله : ( جَزُوعاً ) و ( مَنُوعاً ) فيهما ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال فى الضمير فى ( هَلُوعاً ) ، وهو العامل فيهما . والتقدير : هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر ، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة . أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا .الثالث : أنهما نعتان لقوله : " هلوعا " .

وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا

📘 وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال : هو كما قال الله - تعالى - : ( إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ) .ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - .والإِنسان : المراد به الجنس ، أو الكافر . . وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا .والتعبير بقوله : ( خُلِقَ هَلُوعاً ) يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله - مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل . . وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين .وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء .وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " شر ما فى الرجل : شح هالع ، وجبن خالع " . وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته صبر فكان خيرا له " .قال الجمل : وقوله : ( جَزُوعاً ) و ( مَنُوعاً ) فيهما ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال فى الضمير فى ( هَلُوعاً ) ، وهو العامل فيهما . والتقدير : هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر ، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة . أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا .الثالث : أنهما نعتان لقوله : " هلوعا " .

إِلَّا الْمُصَلِّينَ

📘 ثم وصف - سبحانه - من استثناهم من الإِنسان الهلوع ، بجملة من صفات الكريمة ، فقال : ( إِلاَّ المصلين . الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) .أى : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء ، وعلى المنع عند السراء . . إلا المصلين منهم .

الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ

📘 الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة ، دون أن يشغلهم عن أدائها : عسر أو يسر ، أو غنى أو فقر ، أو إقامة أو سفر .فهم ممن قال - سبحانه - فى شأنهم : ( رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار ) وقال - سبحانه - : ( على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) للإِشارة إلى أنهم لا يشغلهم عنها شاغل ، إذ الدوام على الشئ عدم تركه .وفى إضافة " الصلاة " إلى ضمير " المصلين " تنويه بشأنهم ، وإشعار باختصاصها بهم ، إذ هم أصحابها الملازمون لها .

وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ

📘 ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثانية فقال : ( والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِّلسَّآئِلِ والمحروم ) .والمراد بالحق المعلوم : ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين ، على سبيل التقرب إلى الله - تعالى - وشكره على نعمه ، ويدخل فى هذا الحق المعلوم دخولا أوليا ما فرضه - سبحانه - عليهم من زكاة أموالهم .قالوا : ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية ، فقد يكون أصل مشروعية الزكاة بمكة ، ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة ، عن طريق السنة النبوية المطهرة .

لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ

📘 والسائل : هو الذى يسأل غيره الصدقة ، والمحروم : هو الذى لا يسأل غيره تعففا ، وإن كان فى حاجة إلى العود والمساعدة .أى : ومن الذين استثناهم - سبحانه - منصفة الهلع : أولئك المؤمنون الصادقون الذين جعلوا فى أموالهم حقا معينا ، يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر ، لمن يستحقونه من السائلين والمحرومين . . على سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من نعم .ووصف - سبحانه - ما يعطونه من أموالهم بأنه ( حَقٌّ ) للإشارة إلى أنهم - لصفاء أنفسهم - قد جعلوا السائل والمحروم ، كأنه شريك لهم فى أموالهم ، وكأن ما يعطونه له إنما هو بمثابة الحق الثابت عندهم له .

وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ

📘 ثم وصفهم - سبحانه - بصفات كريمة أخرى فقال : ( والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين ) والتصديق بيوم الدين معناه : الإِيمان الجازم باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء .

وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ

📘 ( والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ) أى : أن من صفاتهم : أنهم مع قوة إيمانهم ، وكثرة أعمالهم الصالحة ، لا يجزمون بنجاتهم من عذاب الله - تعالى - وإنما دائما أحوالهم مبنية على الخوف والرجاء ، إذ الإِشفاق توقع حصول المكروه وأخذ الحذر منه .

إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ

📘 وجملة ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ) تعليلية ، ومقررة لمضمون ما قبلها ، أى : إنهم مشفقون من عذاب ربهم . . لأن العاقل لا يأمن عذابه - عز وجل - مهما أتى من طاعات وقدم من أعمال صالحة .وشبيه بهذه الآية قوله - سبحانه - ( والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ).

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

📘 ثم قال - تعالى - : ( والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون ) .أى : أن من صفاتهم - أيضا - أنهم أعفاء ، ممسكون لشهواتهم ، لا يستعملونها إلا مع زوجاتهم اللائى أحلهن - سبحانه - لهم أو مع ما ملكت أيمانهم من الإِماء والسرارى .وجملة ( فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) تعليل للاستثناء . أى : هم حافظون لفورجهم .

مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ

📘 فلا يستعملون شهواتم إلا مع أزواجهم . أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير مؤاخذين على ذلك ، لأن معاشرة الأزواج وما ملكت الأيمان مما أحله الله - تعالى - .

فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ

📘 وقوله : ( فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ ) اى : فمن طلب خلاف ذلك الذى أحله - سبحانه - . ( فأولئك هُمُ العادون ) أى : فأولئك هم المعتدون المتجاوزون حدود خالقهم ، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه .يقال : عدا فلان الشئ يعدوه عَدْواً ، إذا جاوزوه وتركه . أى : أنهم تجاوزوا الحلال وتركوه خلف ظهورهم ، واتجهوا ناحية الحرام فولغوا فيه .

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ

📘 قوله : ( والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين إذا مسهم الشر لا يجزعون ، وإذا مسهم الخير لا يمنعون . . أنهم لا يخلون بشئ من الأمانات التى يؤمنون عليها ، ولا ينقضون شيئا من العهود التى يعاهدون غيرهم عليها ، وإنما هم يراعون ذلك ويحفظونه حفظا تاما .فقوله ( رَاعُونَ ) جمع راع ، وهو الذى يرعى الحقوق والأمانات والعهود ويحفظها ويحرسها ، كما يحرس الراعى غنمه وإبله حراسة تامة .

وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ

📘 وقوله : ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ ) أى : والذين هم من صفاتهم أنهم يؤدون الشهادة على وجهها الحق ، فلا يشهدون بالزور أو الباطل ، ولا يكتمون الشهادة إذا طلب منهم أن يؤدوها ، عملا بقوله - تعالى - ( وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) فالشهادات : جمع شهادة . والمرادج بالقيام بها : أداؤها على أتم وجه وأكمله وأعدلهه ، إذ القيام بها يشمل الاهتمام بشأنها ، وحفظها إلى أن يؤديها صاحبها على الوجه الذى يحبه - سبحانه - .وكما افتتح - سبحانه - هذه الصفات الكريمة بمدح الذين هم على صلاتهم دائمون ، فقد ختمها بمدح الذين يحافظون عليها فقال : ( والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) أى : يؤدونها كاملة غير منقوصة . لافى خشوعها ، ولا فى القراءة فيها ، ولا فى شئ من أركانها وسننها .وهذا الافتتاح والختام ، يدل على شرفها وعلو قدرها ، واهتمام الشارع بشأنها .

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

📘 قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال : ( على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ ) ثم ( على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) ؟ قلت : معنى دوامهم عليها ، أن يواظبوا على أدائها ، لا يخلون بها ، ولا يشتغلون عنها بشئ من الشواغل .ومحافظتهم عليها : أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ، ومواقيتها ، وسننها ، وآدابها . . فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة ، والمحافظة تعود إلى أحوالها .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين حماهم - سبحانه - من صلة الهلع . . وصفهم بثمانى صفات كريمة ، منها : المداومة على الصلاة ، والمحافظة على الإِنفاق فى وجوه الخير ، والتصديق بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، والحفظ لفروجهم ، وأداء الأمانات والشهادات .

أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ

📘 ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال : ( أولئك فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ) أى : أولئك المتصفون بذلك فى جنات عظيمة ، يستقبلون فيها بالتعظيم والحفارة . . حيث تقول لهم الملائكة : ( سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ) وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين . .

فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ

📘 أخذت السورة فى تصوير موقف المشركين من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الحق ، وفى تسليته عما لحقه منهم من أذى ، وفى بيان أحوالهم السيئة عندما يعرضون للحساب . . فقال - تعالى - .( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ . . . ) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ ) للتعجيب من حال هؤلاء الذين كفروا ، ومن تصرفاتهم التى تل على منتهى الغفلة والجهل . و " ما " مبتدأ ، و ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) خبره .وقوله ( مُهْطِعِينَ ) من الإِهطاع ، وهو السير بسرعة ، مع مد العنق ، واتجاه البصر نحو شئ معين .و ( عِزِينَ ) جمع عزة - كفئة - وهى الجماعة . وأصلها عِزْوَة - بكسر العين - من العزو ، لأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى ، فلامها واو ، وقيل : لامها هاء ، والأصل عزهة .قال القرطبى : والعزين : جماعات متفرقة . ومنه الحديث الذى خرجه مسلم وغيره ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فرآهم حِلَقا فقال : مالى أراكم عزين : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال : يتمون الصفوف الأول ، ويتراصون فى الصف " .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآيات ، أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبى صلى الله عليه وسلم ويستمعون إليه ، ثم يكذبونه ويستهزئون به وبالمؤمنين ، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها قبلهم ، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم .والمعنى : ما بال هؤلاء الكافرين مسرعين نحوك - أيها الرسول الكريم - وناظرين إليك بعيون لا تكاد تفارقك ، وملتفين من حولك عن يمينك وعن شمالك ، جماعات متعددة ، ومظهرين التهكم والاستهزاء بك وبأصحابك؟ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم فى قراءة أنفسهم بأنك أنت الصادق الأمين " .وقدم - سبحانه - الظرف ( قِبَلَكَ ) الذى بمعنى جهتك ، على قوله ( مُهْطِعِينَ ) للاهتمام ، حيث إن مقصدهم الأساسى من الإِسراع هو الاتجاه نحو النبى صلى الله عليه وسلم للاستهزاء به وبأصحابه .

عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ

📘 والمراد بقوله : ( عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال ) : جميع الجهات ، إلا أنه عبر بهاتين الجهتين ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول الشخص .وقوله : ( عِزِينَ ) تصوير بديع لالتفافهم من حوله متفرقة فى مشاربها ، وفى مآربها ، وفى طباعها .

أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ

📘 والاستفهام فى قوله - تعالى - ( أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ) للنفى والإِنكار .أى : أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التى هى محل نعيمنا وكرامتنا بدون إيمان صادق ، وبدون عمل نافع . . ؟وقوله - سبحانه - ( كَلاَّ ) ردع لهم وزجر عن هذا الطمع ، أى : كلا ليس الأمر كما يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم بعدهم . . وإنما هم سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير .وقال - سبحانه - ( أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ ) ولم يقل : أيطمعون أن يدخلوا الجنة ، للإِشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا فى دخولها ، لاستيلاء الغرور والجهالة على قلبه .

كَلَّا ۖ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ

📘 وجملة ( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ) تأكيد لهذا الردع والزجر ، وتهوين من شأنهم ، وإبطال لغرورهم ، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع مهذب . . لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين ، ومن كان كذلك فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ويجوز أن يراد بقوله : ( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ) أى : من النطفة المذرة ، وهى منصبهم الذى لا منصب أوضع منه . ولذلك أبهم وأخفى : إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ويقولون : لندخلن الجنة قبلهم .وقيل : معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بنى آدم كلهم ، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة ، إلا بالإِيمان والعمل الصالح ، فكيف يطمع فى دخولها من ليس له إيمان وعمل .

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ

📘 ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء الكافرين ، والتحقير من أمرهم فقال : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب إِنَّا لَقَادِرُونَ . على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) .وجمع - سبحانه - هنا المشارق والمغارب ، باعتبار أن لها فى كل يوم من أيام السنة مشرقا معينا تشرق منه ، ومغربا معينا تغرب فيه .وقال فى سورة الرحمن ( رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين ) أى : مشرق ومغرب الشتاء . والصيف .وقال فى سورة المزمل : ( رَّبُّ المشرق والمغرب ) والمراد بهما هنا : جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ، وعلى كل مغرب من مغاربها .وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجئ هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة بصيغة المثنى ، وتارة بصيغة الجمع .وجملة ( إِنَّا لَقَادِرُونَ ) : جواب القسم . أى : أقسم بالله - تعالى - الذى هو رب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها . . إنا لقادرون قدرة تامة ( على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ )

عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ

📘 ( على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ )أى : على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما . . أو على أن نبدل ذواتهم ، فنخلقهم خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذى هو عليه . . فإن قدرتنا لا يعجزها شئ .وقوله ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) معطوف على جواب القسم ومؤكد له . أى : إنا لقادرون على ذلك ، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين خير منهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله والله هُوَ الغني الحميد . إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ) وقوله - سبحانه - ( . . . وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) ، والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين وبيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شئ .

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ

📘 والفاء فى قوله : ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ . . . ) للتفريع على ما تقدم .والخوض يطلق على السير فى الماء ، والمراد به هنا : الكلام الكثير الذى لا نفع فيه .واللعب : اشتغال الإِنسان بشئ لا فائدة من ورائه . والمراد به هنا : استهزاؤهم بالحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاترك هؤلاء الكافرين ، ليخوضوا فى باطلهم ، ويلعبوا فى دنياهم ، ولا تلتفت إليهم .ودعهم فى هزلهم ولهوهم ( حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ) وهو يوم القيامة الذى لا شك فى إتيانه ووقوعه .

يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ

📘 وقوله ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً ) بدل من ( يَوْمَهُمُ ) . والأجداث جمع جدث - بفتح الجيم الدال - وهو القبر . أى : اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم المحتوم . وهو اليوم الذى يخرجون فيه من قبورهم مسرعين إلى الداعى .( كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ) والنصب - بضمتين - حجارة كانوا يعظمونها . وقيل : هى الأصنام ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ويقيمونها للعبادة .( يُوفِضُونَ ) أى : يسرعون . يقال : وفَض فلان يفِض وفْضاً - كوعد - إذا أسرع فى سيره . أى : يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعى ، مستبقين إليه ، كما كانوا فى الدنيا يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكى يستلموها ، ويلتمسوا منها الشفاعة .

خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۚ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ

📘 ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ) أى : يخرجون من قبورهم ، حالة كونهم ذليلة خاضعة أبصارهم ، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزى والهوان .( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أى : تغشاهم ذلة شديدة ، وهوان عظيم . يقال : رَهِقهَ الأمر يرهَقهُ رَهَقاً ، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن لا دفعها .( ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ ) أى : ذلك الذى ذكرناه من الأهوال ، هو اليوم الذى كانوا يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل ، والذى كانوا ينكرون وقوعه ، وها هو ذا فى حكم الواقع ، لأن كل ما أخبر الله - تعالى - عنه ، فهو متحقق الوقوع . كما قال - سبحانه - فى أول السورة ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ . لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق ، واختتتمت كذلك بإثبات أن يوم القيامة حق . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

وَنَرَاهُ قَرِيبًا

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .

وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ

📘 لأنه واقع من الله - تعالى - ( ذِي المعارج ) .والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وصاحبته وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .