An-Noor • AR-TAFSIR-IBN-KATHIR
﴿ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴾
“And [so it is that] whenever they are summoned unto God and His Apostle in order that [the divine writ] might judge between them, lo! some of them turn away;”
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبَطِنُونَ، يَقُولُونَ قَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أَيْ: يُخَالِفُونَ أَقْوَالَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: إِذَا طُلِبُوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى، فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠، ٦١] . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ [[في ف، أ: "عن".]] أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا: "مَنْ دُعي إِلَى سُلْطَانٍ فَلَمْ يُجِبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[المعجم الكبير للطبراني (٧/٢٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٩٨) : "فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ، أَيْ: وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، جَاؤُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ عَلَيْهِ أَعْرَضَ وَدَعَا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَحَبَّ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُرَوِّجَ بَاطِلَهُ ثَمّ. فَإِذْعَانُهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ عَنِ اعْتِقَادٍ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، بَلْ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَوَاهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَالَفَ الْحَقُّ قَصْدَهُ، عَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَخْرُجُ أَمْرُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُلُوبِ مَرَض لَازِمٌ لَهَا، أَوْ قَدْ عَرَضَ لَهَا شَكٌّ فِي الدِّينِ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يَجُورَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ: بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ الْفَاجِرُونَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مُبَرَّآنِ مِمَّا يَظُنُّونَ وَيَتَوَهَّمُونَ مِنَ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ، تَعَالَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، حدثنا الحسن قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ مُنَازَعَةٌ، فَدُعِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحِقّ أَذْعَنَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ فدُعي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَضَ، وَقَالَ: أنطلقُ إِلَى فُلَانٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ، فدُعِي إِلَى حَكَم مِنْ حُكَّام الْمُسْلِمِينَ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ" [[ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا كما في الدر المنثور (٦/٢١٣) .]] . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذُكر لَنَا أَنَّ عُبَادة بْنَ الصَّامِتِ -وَكَانَ عَقَبيَّا بَدْرِيًّا، أَحَدَ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ -أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِمَاذَا عَلَيْكَ وَمَاذا لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، ومَنْشَطك وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةً عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ لِسَانَكَ بِالْعَدْلِ، وَأَلَّا تُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَوَاحا، فَمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ كِتَابَ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكر [[في ف: "وذكروا".]] لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْخَلِيفَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً. قَالَ: وَقَدْ ذُكر لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: عُروة الْإِسْلَامِ شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ [وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] كَثِيرَةٌ جَدًّا، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ. * * وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ [[في أ: "ويترك".]] مَا نَهَيَاهُ [[في ف، أ: "نهيا".]] عَنْهُ، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، ﴿وَيَتَقِهِ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ. * * وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ [[في ف، أ: "سوء".]] فِي الدنيا والآخرة.